الدخول في علاقة عاطفية لا يعني الزواج
    الدخول في علاقة عاطفية لا يعني الزواج

    عزوف الشباب المصري عن الزواج يتزايد مع ارتفاع معدلات الطلاق


    اعتاد خمسة من الشباب المصريين، الجلوس كل ليلة، في أحد مقاهي حي المطرية في شمال القاهرة، يتسامرون ويضحكون ويتحدثون عن علاقاتهم العاطفية ويسهرون حتى الساعات الأولى من الفجر، إلا واحد فقط يتركهم مبكرا ويعود إلى بيته لأن لديه زوجة وثلاثة أبناء في انتظاره.

    ويؤكد الأصدقاء الأربعة، في حديث لـ”العرب”، أن صديقهم المتزوج لا يملّ الحديث عن مشكلاته الأسرية، وضيق الحال، والمسؤوليات الملقاة على عاتقه، وكيف أصبحت حريته مقيّدة، وهو يهتم بتوفير متطلبات المعيشة، أكثر من التفكير في الاستمتاع بحياته، وهذه الأمور جعلتهم يكرهون الزواج.

    [quote]أكدت الإحصائيات الصادرة، قبل أيام، من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي في مصر، تراجع معدلات الزواج إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2008. وقال التقرير المصاحب للأرقام إن نسبة انخفاض معدلات الزواج قابلة للارتفاع لأسباب اجتماعية واقتصادية وأسرية ونفسية.[/quote]

    ويقول أحمد سمير، البالغ من العمر 35 عاما، إنه بالكاد يوفر نفقات حياته الشخصية، فكيف يكون مسؤولا عن أسرة؟ ويضيف مبتسما “الحكومة سعيدة بهذا الواقع، لأنها ضاعفت أسعار السلع والخدمات حتى تنخفض معدلات الزواج، ومن ثمة يتراجع الإنجاب وتقلّ الكثافة السكانية.. وقد نجحت الخطة إلى حد كبير”.

    ويستشهد أحمد على كلامه بحديث سابق للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، عندما طالب كل مواطن بالتفكير قبل الإنجاب في مدى قدرته على الإنفاق على أولاده، ويعلّق ساخرا “نعم فكرت في كلام الرئيس، وقررت عدم الزواج والإنجاب لكي تكون الحكومة سعيدة.. إنهم يريدون الشباب هكذا”.

    أما باسم سعيد، ذا الـ33 عاما، فلديه وجهة نظر أخرى، فهو ما زال متمسكا بفكرة الزواج من فتاة مثقفة ومستقبلها الوظيفي مضمون، لتشاركه المسؤولية وتساعد في توفير متطلبات الأسرة. ويقول “غالبية أصدقائي يتمسكون بهذا الشرط وإن تأخر الزواج لسنوات، ويرون أن هذا الحل لا تنازل عنه”.

    ويوضح باسم “كرهت الزواج، لأنني كلما ادخرت جزءا من المال تمهيدا للارتباط وجدت الأسعار ترتفع لأرقام خيالية، فاضطررت للتراجع أمام حديث الحكومة عن زيادات جديدة في السلع والخدمات، وحسمت أمري بأنني لن أتزوج إلا من فتاة عاملة، فلا أريد أن أنجب أطفالا يعانون كما عانيت في حياتي”.

    ويبرر الشاب الثالث، عزوفه عن تكوين أسرة، بأنّ “العلاقات العاطفية متاحة وكذلك العلاقات الحميمية. فلماذا الارتباط بالزواج؟”، ثم يشير إلى أصدقائه “جميعنا نربط علاقات مختلفة فلماذا نكلّف أنفسنا عناء توفير منزل ودفع الآلاف من الجنيهات في التجهيزات والمهور، ثم تكاليف ما بعد الزواج والإنجاب والأسرة”.

    ويشترك هؤلاء الشبان في نفس الأفكار مع جيل اليوم، وهي أفكار من شأنها أن تقدم تفسيرا لانخفاض معدلات الزواج في مصر، لمستوى قياسي، حيث لم يحدث منذ عشر سنوات، وقد قدّر تقرير جهاز الإحصاء نسبة الزواج بـ9.6 بالمئة لكل ألف ساكن في مصر.ورصد التقرير تسجيل 912 ألف عقد زواج، خلال العام الحالي، مقارنة بنحو 969 ألف عقد في السنة الماضية، خلال نفس الفترة، وقال إن نسبة انخفاض المعدلات قابلة للزيادة لأسباب اجتماعية واقتصادية وأسرية ونفسية، في حين استمر تصدّر مصر قائمة الدول التي تشهد ارتفاعا قياسيا في معدلات الطلاق، بتسجيل 198 ألف حالة سنويا.

    واحتل الحاصلون على شهادة تعليمية متوسطة صدارة المتزوجين بنسبة 37.4 بالمئة، بينما كانت أقلّ نسبة زواج بين الحاصلين على تعليم جامعي بنسبة 0.1 بالمئة، ما يمكن تفسيره بأن الشباب الحاصل على مؤهل متوسط يتزوج من فتاة من ذات المستوى فلا تضع شروطا تعجيزية. وتنتشر في بعض الأوساط المصرية ثقافة التباهي بين الأسر، من حيث شراء مستلزمات مبالغ فيها عند الزواج، ورفض فكرة أن يبدأ الشاب والفتاة حياتهما بأشياء بسيطة، ما يمثّل عقبة أمام قبول بعض الآباء تزويج بناتهم لشبان متوسطي الحال، بذريعة الحفاظ على استقرارها الأسري مستقبلا.

    ومن خلال اعترافات الشبان الأربعة، بإقامة علاقات خارج إطار الزواج دون تكبّد مصاريف الارتباط الرسمي، يمكن القول إن هذا السبب يعدّ أحد العوامل التي جعلت البعض يعزف عن تكوين أسرة، لأنه يشبع رغباته بعيدا عن مؤسسة الزواج وتكبيل نفسه وتحمّل المسؤولية.

    [quote]الحاصلون على تعليم متوسط احتلوا صدارة المتزوجين  بينما أقل نسبة كانت لدى الحاصلين على تعليم جامعي [/quote]

    وساعد انفتاح المجتمع المصري، ومحاولة الأجيال الجديدة محاكاة الثقافات الغربية، على تزايد حلول إقامة علاقات جنسية غير شرعية، دعّمها انتشارها مواقع التواصل الاجتماعي، وإصرار البعض من الشباب والفتيات على الاستقلال الذاتي عن عائلاتهم، وعدم الانصياع لرغباتهم الملحّة في الموافقة على الزواج.

    لكن يظل تأثير العلاقات الجنسية على تأخر الزواج مرتبطا بنظرة الشاب للزواج عموما، فإذا كان يعتبره مجرد وسيلة لإشباع الرغبة فقط واتباع تقاليد المجتمع، فقد لا يبالي بالخطوة ويلجأ لإقامة علاقات كثيرة، وهذا النوع ينتشر بين شباب الجامعات.

    وتفيد غادة محمد، وهي فتاة عشرينية، “المشكلة الأساسية تكمن في انحصار الزواج عند أكثر الشباب في فكرة التزاوج،  وهذه ثقافة يؤمن بها قطاع كبير من الأجيال الجديدة، بذريعة التحرر من قيود المجتمع والشغف بالاستقلالية”.

    صحيح أن هناك أبعادا اقتصادية يمكن الارتكان عليها ضمن مسببات العزوف عن الزواج، لكن التسهيلات التي أصبحت تقدّمها البعض من الأسر، لا سيما في المناطق الريفية والشعبية نظير زواج فتياتهم وتجنيبهم شبح العنوسة، وتوافر وحدات سكنية بالإيجار، أو مدعومة من الحكومة، قد لا يضع المشكلة الاقتصادية في الصدارة.

    وتتمسك سعاد منصور أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس في القاهرة، بأن “الموضوع نفسيّ أكثر منه اقتصاديّ أو اجتماعيّ، لأن العلاقات الأسرية في المجتمع عموما أصبحت تفتقد الأجواء العاطفية نتيجة كثرة الخلافات واستسهال الطلاق، ما صدّر نماذج فاشلة للشباب، وجعلهم يهابون فكرة الزواج”.

    وتضيف لـ”العرب”، أن “أكثر الشباب والفتيات لديهم تجارب سابقة فاشلة في محيط العائلة بين المتزوجين، ما يُحدث داخلهم اضطرابات في البناء النفسي للشخصية، يضاف إلى ذلك، المناقشات المتكررة مع المتزوجين الذين مروا بتجارب مريرة، وأغلبهم لا يصدّرون محاسن الزواج للمقبلين على الخطوة”. ويقترح البعض حلولا للأزمة، تتلخص في تصدير التجارب الإيجابية للزواج للرأي العام، ويعتبرونه دورا أساسيا لوسائل الإعلام، لإقناع الشباب بفكرة إنجاب طفل أو اثنين على أقصى تقدير لمواجهة غلاء المعيشة، وتدشين حملات توعوية لإقناع الأسر بعدم التشدد في مطالب وشروط الزواج.

    ويرى هؤلاء أن خفض معدلات الطلاق، والتوسع في الدورات التوعوية للمقبلين على الزواج لتعريفهم بأبجديات التعامل والتقارب والتفاهم للحد من الانفصال المبكّر، من شأنه إعادة الثقة للشباب الراغبين في الارتباط بشكل يحلّ أزمة التوتر النفسي فيتراجع الخوف بداخلهم من تكوين أسرة.

    وترى أستاذة علم الاجتماع سعاد منصور أن صمت الحكومة والمجتمع وبالتالي العائلات عن استمرار العزوف الشبابي عن الزواج الرسمي، يمهّد الطريق لزيادة معدلات الزواج العرفي، ويجعل منه ظاهرة وحلاّ مقبولا عند الكثير من الشباب، دون مراعاة انعكاساته الخطيرة على حقوق الفتاة، لا سيما ما يتعلّق بإثبات نسب الأبناء.

    avatar
    Total comments: 0