معالجة السينمائيين الشباب للموضوعات مختلفة
    معالجة السينمائيين الشباب للموضوعات مختلفة

    المخرجون الشباب "أداة للتغيير الثقافي والفني في المجتمعات"


    أثبت الجيل الجديد من المخرجين الشباب قدرته على التصدي لمشكلات مجتمعاته العربية، بتناول القضايا الاجتماعية والإنسانية من وجهات نظر مغايرة، وجدت طريقها لقلوب وعقول المشاهدين، بعيدًا عن اعتبارات الربح في الإنتاج التجاري، الساعي وراء المكسب المالي في المقام الأول.

    ودشنت دول عربية مبادرات لمنح الشباب منصات لعرض أفلامهم المستقلة عبر مهرجانات متخصصة، واتخذت الإمارات خطوات أبعد بإنشاء سينما “عقيل” بدبي مطلع نوفمبر، كأول سينما بديلة مستقلة بمنطقة الخليج متخصصة في عرض الأفلام المستقلة المحلية والأجنبية التي نالت الجوائز وإعجاب النقاد، على حد سواء.

    وتترك الأعمال السينمائية تأثيرًا على المشاهدين، خصوصا صغار السن، فقد تجبرهم على تغيير أنماط تفكيرهم أو مراجعة أسلوبهم في الحياة، وتصبح عند توظفيها بطريقة معينة، أداة لتغيير السلوك من واقع تجارب الآخرين، ووسيلة تنمية بشرية تمنح حصانة ضد الظروف الصعبة، وتخلق نقطة عميقة من التفكير، تصل إلى الحقائق الغائبة وتشرح الواقع بمنظور عقلاني.

    ويمكن وصف الأعمال الشبابية بحالة ترابط بين التنمية والإبداع وتوصيل مجموعة الأفكار والمشاعر بجرعات مرئية مكثفة تجعل رسائلها أقوى بكثير من مطالبات الخبراء ومناشدات المسؤولين، كالفيلم السعودي “حِمى” الذي تناول أهمية الحفاظ على المحميات السعودية بقصة صياد سابق تحول إلى رئيس الجوالين بالمحمية، يسخر حياته لحماية الحياة الفطرية وتنوعها.

    رؤى جديدة
    وفي الدورة الثانية من ملتقيات “رؤية” لسينما الشباب التي احتضنها مركز الهناجر بدار الأوبرا المصرية في نهاية أكتوبر الماضي، قدم المشاركون 34 فيلمًا تسجيليًا وروائيًا قصيرًا، لم تتشابه أي فكرة بينها، عالجت بعضها قضايا معقدة كالهجرة غير الشرعية، من منطلقات إنسانية شديدة الخصوصية بمساحات زمنية تراوحت بين عشرة و30 دقيقة فقط.

    وما يميز الرؤية الشبابية البحث عن زوايا جديدة لموضوعات قديمة مطروقة، كفيلم “مارشدير” للمخرجة نهي عادل، الذي لخص تغير قيم المجتمع والتمييز النوعي ضد السيدات، في صراع بين سائقين تقاطعت سيارتاهما وجها لوجه، بشارع أحادي الاتجاه، أحدهما غاضب متطاول، والثاني فتاة تدعي القوة رغم امتلائها بالخوف.

    ويقول المخرج المصري محمد سعدون (29 عاما)، الذي شارك في الملتقى بفيلم “عاليا”، إن دور وزارة الثقافة يتزايد في دعم السينما الشبابية عبر الدعم اللوجيستي بتسهيل العمل كتيسير الحصول على تصاريح للتصوير الخارجي من الجهات الرسمية التي مثلت عقبة أمام الشباب ودفعتهم إلى التصوير الداخلي في الغرف المغلقة، وبات التصوير في أي مكان متاحًا بمجرد موافقة الرقابة.

    ويسعى سعدون عبر “عاليا” إلى إلقاء الضوء على تغير حياة الأسرة المصرية في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، ليقدم سيدة تعاني حرمانًا وفراغا وجدانيًا في غياب اهتمام أبنائها، فتنقب في ذكريات الماضي عن السعادة عائدة إلى الحب في فترة الخطوبة والجلوس أمام التلفزيون لتتخيل نفسها بديلة لبطلة مسلسل رومانسي، كوسيلة لإفراغ طاقتها السلبية والعودة إلى الاستقرار النفسي.

    تصميم على التغيير
    ويعتزم المركز القومي للسينما المساهمة في إنتاج الأعمال الفائزة بملتقيات “رؤية للسينما الشبابية” كوسيلة لتعزيز الفكرة وتشجيع الشباب على الاستمرار.

    ويقول سعدون لـ”العرب”، إن الكثير من السينمائيين الشباب لديهم تصميم على التغيير عبر الشاشة الفضية، رغم ظروف الإنتاج الصعبة وارتفاع تكاليف المعدات، ورفض منظمي المهرجانات الإعداد الموسيقي المعتمد على تجميع الموسيقى القديمة، ومطالبتهم بموسيقى تصويرية تتطلب المزيد من التكاليف، وأخيرًا رفض غالبية النجوم الكبار المشاركة مع المواهب الشابة.

    وتزايدت ثقة شباب المخرجين في إمكانية تحدي الظروف بعد التجربة الناجحة لفيلم “يوم الدين” للمخرج الشاب أبوبكر شوقي الذي تم ترشحيه لمهرجان أوسكار، وعاد بالسينما المصرية لمهرجان “كان” العريق للمرة الأولى بست سنوات، فتجربته من ضعف الإنتاج وتحدي عقبات استمرت لسنوات ورفض مشاركة النجوم الكبار تبدو مشابهة لواقعهم تمامًا.

    ويرى الكثير من النقاد أن صول الشباب إلى منصات التكريم بأفلام تسجيلية وروائية قصيرة تم تصويرها بمعدات فنية وكاميرات لا تختلف إمكانياتها كثيراً عن الهواتف المحمولة، يعزز ثقة السينمائيين الشباب في قيمة الفكرة المبدعة والتلاعب بالإضاءة والمونتاج الجيد لخروج منتجات تحظى بتقدير النقاد.

    ويعتبرون أن العمل بعيدًا عن ضغط شباك التذاكر يعطيهم مساحات للحرية لإيصال رؤيتهم دون تغيير للوصول إلى أهداف السينما الحقيقية بالتصدي لمشكلات مجتمعية في المقام الأول بعيدًا عن مواءمات المنتجين التي تتراوح بين المكسب المالي المباشر أو خدمة أهداف سياسية واقتصادية مستقبلية.

    وتبدو مشكلة التوزيع أبدية أمام المخرجين الشباب لكنهم يتحايلون عليها بإلمامهم بتكنولوجيا الاتصال الحديثة في الدعاية وجذب الجمهور للعروض الخاصة، بنشر مقاطع لأفلامهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتدشين قنوات عبر الإنترنت، وتأسيس نوادي مشاهدة متنقلة محدودة التكاليف لا تتجاوز متطلباتها حاسبا آليا ولوحة عرض بلاستيكية واستئجار موطئ قدم بفندق أو مطعم أو حتى ناد اجتماعي.

    ويتسم ذلك النمط بجرأة المعالجة والتطرق إلى قضايا مثيرة للجدل كالعلاقات خارج إطار الزواج من منطلق مشكلات أكبر حتى لو كانت صادمة، مثل فيلم “كل الطرق تؤدي إلى روما” إخراج حسن صالح، وتناول الهجرة غير الشرعية وروافدها المستمرة، عبر فتاة تخطط للهروب إلى إيطاليا بحثًا عن حياة أفضل، قبل أن تكتشف يوم سفرها أنها حامل من صديقها، ليبقى الخيار الصعب بين البقاء ومخاطر عدم الاعتراف بالابن أو رحلة تعني فقدان الجنين.

    قدرات كامنة
    يعتبر البعض من السينمائيين الشباب تحفيز القدرات الكامنة لجيلهم هدفا كعمر المشد، الذي اختار لفيلمه القصير الرابع “مجاديف”، قصة شاب في قرية فقيرة معزولة بدلتا مصر كل حياته مكرسة للعمل، فيومه يبدأ من الثانية صباحًا بصيد الأسماك من النيل ومع بسط الشمس أشعتها يزاول حرفة الزراعة، وفي آخر النهار يباشر مشروعه الخاص بتربية الدواجن والماشية في رحلة كفاح عنوانها الرضا.

    وتعالج الرسائل التي يوجهها الفيلم تفضيل شباب مصر للعمل المكتبي ورفض العمل الميداني المتعب، وهي مشكلة يرددها أصحاب الأعمال من منطلق غسل أيديهم من ارتفاع معدلات البطالة أو تبرير الاستعانة بعمالة أجنبية، فبطل “مجاديف” قد يكون نموذجًا يحتذى به في الكفاح، لا يقارن بين العائد من عمله والجهد المبذول، لكن سعادته في فكرة السعي للرزق بوجه عام بصرف النظر عن النتائج.

    وتخرج المشد (33 عاما) في كلية الآداب بجامعة عين شمس، ويدرس حاليًا في الجامعة الفرنسية بالقاهرة، وسبق له أن أعدّ أفلاما روائية قصيرة هي “نوم العازب” و”نسخة أصلية” و”ليمون بالنعناع” اعتمد فيها على التصوير الداخلي منخفض التكاليف، لكن “مجاديف” كان باكورة أعماله في التصوير الخارجي.

    ورغم انخفاض المدى الزمني للأفلام القصيرة وعدم تجاوزها عشر دقائق بمعظم الأحيان، إلا أن المجهود المبذول كبير على مستوى المعالجة الفنية للسيناريو والصورة بإيصال الرسالة بأقل عدد ممكن من الكلمات وتقديم المحتوى البصري بصورة جذّابة، في ظل استخدام أنواع أقل كفاءة من الكاميرات.

    ويساعد التحمّس للفكرة المخرجين الشباب على تذليل بعض العقبات، ففي تصوير “مجاديف” عانى فريق العمل من عدم وجود تيار كهربائي بأماكن التصوير، وحالما تمت الاستعانة بمولدات كهربائية خارجية احترقت بطاريات الكاميرات ليستعين الفريق بالهواتف المحمولة في تصوير استمر لمدة 18 ساعة متواصلة في قرية لا تمتلك فنادق أو استراحات للغرباء، وهي مشكلات تبدو تافهة لأي فيلم تجاري يملك تمويلا ضخما.

    ويحسب للمخرجين الشباب أنهم البديل الجاهز لانتشال السينما المصرية من عثرتها وعودة ثرائها الفني، فالأفلام التجارية لديها تمويل وتفتقد السيناريو الجيد وتعاني من ثقافة استسهال مخرجيها واعتبارهم الفيلم بضاعة يتم بيعها بالدعاية والتغليف الجيد.

    وقد تكون السينما الشبابية ذاتها وسيلة حكومية للدعاية يمكن استغلالها بإنتاج أفلام تتعلق بخطط التنمية وحل المشكلات المزمنة. ويتبنى المنتجون المصريون فلسفة خاطئة بالاستعانة بعدة نجوم مع قصة هزلية لا تعتمد على الكوميديا بل على السخرية من البشر، كالسمنة أو العيوب الجسدية، ما خلف جيوشًا من الممثلين العاطلين رغم كفاءتهم، بينهم رموز سينمائية كبيرة.

    ويعاني الممثلون المصريون المشاهير من ازدواجية التعامل مع الشباب، فبينما يبررون ظهورهم في أعمال درامية وسينمائية ضعيفة المستوى بغياب النصوص الجيدة واضطرارهم إلى الاختيار بين السيء والأسوأ، يرفضون التعامل مع مواهب جديدة لا  تملك أعمالا سابقة.

    ويقول المشد إن الجيل الجديد من السينمائيين يرفض المشاركة في أعمال لا يرضى عنها، فتسيطر عليه فكرة بناء الاسم وخلوده ويحرص في كل لقطة على إظهار المجهود الذي يبذله رغم تأكده من أن بعض أعماله لن تراها الجماهير، وأن مرور عامين على إنتاجها دون مشاركتها في أي مهرجانات قد يئدها للأبد.

    ويدقق الشباب في كل محتويات عملهم الفني حتى الموسيقى لاختيار مقامات تناسب فحوى موضوعاتهم مع دمجها بالمؤثرات الصوتية قدر الإمكان لخلق تنوع في الشريط الصوتي يداعب أسماع المشاهدين.

    واقع مغاير
    في أوج مجد السينما المصرية، كان الممثلون الكبار يدعمون الشباب، فلم ترفض فاتن حمامة المشاركة مع المغمور خيري بشارة في “يوم حلو ويوم مر” رغم تعقيدات القصة وكآبتها كأم تخوض حربًا للإنفاق على أسرتها بعد وفاة الزوج ومجابهة الطامعين في بناتها.

    ويرى بعض النقاد أن الممثلين يلقون باللائمة على الطرف الأضعف في العملية الإنتاجية ويخشون غضب المنتجين القلائل بالسوق، فورش السيناريو ومعهد السينما يخرجان سنويًا كُتّابًا جيدين تظهر مشروعات تخرجهم كفاءة في الحبكة والسرد وإلمامًا بالاتجاهات الجديدة في الكتابة لكنهم يحتاجون فقط إلى فرصة.

    ويطالب السينمائيون الشباب في مصر بمنحهم فرصة للظهور، ويشكون من جهل جهات حكومية بقيمة الأفلام والمسلسلات كقوى ناعمة لمواجهة مشكلات المجتمع السياسية، كالإرهاب أو تغيير عادات المجتمع ومواجهة سلبياته، ويقولون إن بند دعم السينما بالموازنة العامة للدولة الذي كان يقدر بنحو 1.1 مليون دولار تم إلغاؤه منذ ثورة 25 يناير 2011.

    لا تستطيع الأعمال الشبابية مجاراة الأفلام التجارية بالتقنية والإضاءة والديكورات والكاميرات، لكنها تقترب أكثر من هموم الناس، تقدم الواقع كما هو دون تجميل لتمسك الحقيقة بيدين عاريتين بعيدًا عن القفازات، بأفكار محلية صرفة لا تعاني هوس الاقتباس الدائم من الغرب وتعتمد على الإيمان بالنص ومهارات التصوير.

    avatar
    Total comments: 0