{أرض النفاق} أعاد الكوميديا العائلية إلى الواجهة
    {أرض النفاق} أعاد الكوميديا العائلية إلى الواجهة

    مأزق الكوميديا المصرية يتواصل بين المؤلفين والممثلين


    شهدت الدراما المصرية تنويعات كثيرة على مدار السنوات الماضية، أبرزها دراما “السيت كوم” التي تصدرت المشهد في العقد الأول من الألفية الجديدة، بعد عرض مسلسل “راجل وست ستات” الذي استمر عشرة مواسم على فترات متباعدة، وأعقب ذلك خروج عدد من دراما “السيت كوم” مثل “تامر وشوقية” و”شريف ونص”، وخلال هذه الفترة لم تخرج الدراما الكوميدية عن حيّز التقليد لهذه الأعمال.

    وتتراجع الدراما الكوميدية في السينما التي أصابها الوهن بعد ثورة يناير 2011، واتجه البعض إلى استثمار ما كان يقدّمه بها وحقّق من خلاله نجاحا كبيرا لينقله إلى الشاشة الصغيرة مثلما فعل الثنائي أحمد مكي ودنيا سمير غانم، عندما استثمرا نجاحهما في السينما في أفلام مثل “طير أنت” و”لا تراجع ولا استسلام” ليقدّما معا مسلسل “الكبير” من خمسة أجزاء متتالية، وكما فعل الفنان محمد هنيدي مستغلا نجاح فيلم “رمضان مبروك أبوالعلمين حمودة” مقدّما إياه في مسلسل عرض في 2012.

    بين النجاح والفشل
    ظلت الدراما الكوميدية محصورة بين هذه الأنماط، إلى أن بدأت تتعافى قليلا بخروج مشروعات مثل مسلسل “الرجل العناب” في 2013 الذي قدّمه الثلاثي الشهير قبل انفصاله مؤخرا، هشام ماجد وشيكو وأحمد فهمي، ثم دنيا سمير غانم في تجربتها الأولى في البطولة المطلقة في مسلسل “لهفة” ثم “نيللي وشريهان”، قبل أن تصيبها عدوى التراجع في تجربتها الأخيرة في مسلسل “اللا لا لاند” ولم ينل استحسان الجمهور والنقاد.

    وقُدّمت في رمضان الماضي الكثير من الأعمال الكوميدية، منها “أرض النفاق” المأخوذ عن رواية الأديب الراحل يوسف السباعي، وقام بإعادة صياغتها تلفزيونيا السيناريست أحمد عبدالله، ولعب بطولتها الفنان محمد هنيدي، ولعلها كانت أكثر الأعمال الكوميدية استحسانا وقبولا لدى النقاد لاتخاذها شكل الدراما الكوميدية العائلية القديمة التي غابت عن ذاكرة المشاهد.

    وبخلاف “أرض النفاق” عُرضت الكثير من الأعمال منها “الوصية” للفنان أكرم حسني والمذيع الساخر أحمد أمين، و”عزمي وأشجان” الذي جمع بين الفنان حسن الرداد وزوجته إيمي سمير غانم، و”خفة يد” للفنان بيومي فؤاد وآيتن عامر، بالإضافة إلى مسلسلين آخرين من بطولة نجوم “مسرح مصر” وهما “سك على أخواتك” للفنان علي ربيع، و”ربع رومي” للممثل مصطفى خاطر.

    ورغم محاولات المغامرة لعدد من الفنانين في تقديم تجارب تلفزيونية كانت الكوميديا موضوعها الأساسي، مثل ياسمين عبدالعزيز في مسلسل “هربانة منها” أو محمد إمام في “لمعي القط”، وأحمد فهمي وأكرم حسني في “ريح المدام”، إلاّ أنها لم تحقّق أيضا النجاح المرجو.

    والحاصل أن المشهد العام يوحي بوجود أزمتين تسيطران على الدراما التلفزيونية الكوميدية، الأولى تتعلق بمأزق الكاتب، فحتى هذه اللحظة لا يوجد سيناريست يستطيع إدارة مشروعه الفني بشكل ناجح، يقدّم رؤية موضوعية في مضمون مسلسله، ويلقي الضوء فيه على قضايا مجتمعية بشكل ساخر، ولا توجد رؤية خيالية ناجحة.

    واعتمد أغلب الكتاب على “النكات” المقتبسة من الحياة العامة، وزاد تخبّط المشهد مع غياب وجود كتاب متخصّصين في هذا النوع الدرامي المعقّد، بعد أن دخل عدد من معدّي البرامج الكوميدية المشهد الدرامي.
    وثمة مأزق آخر يتمثّل في عدم وجود الشخصية الكوميدية المؤهلة لتقديم مثل هذه الأدوار، فليس من الضروري أن يكون هناك فنان حالفه التوفيق ونجح في تقديم عمل كوميدي يحصر ذاته في هذه النوعية، معتقدا أن الجمهور سوف يتقبّله طوال الوقت، معتمدا على شعبيته التي نالها في عمله السابق.

    حنين إلى الماضي
    بالمقارنة مع الماضي، فإن مأزق وجود فنان كوميدي لعله الأصعب في هذا الأمر، لأن الساحة الفنية امتلأت قديما بوجود عدد من فناني الكوميديا الذين كان لكل منهم الأسلوب الخاص به.

    ويرى البعض من النقاد أن الدراما الكوميدية باتت شديدة الضعف، وتعاني من هزال حقيقي ولا توحي بوجود صراع يمكن من خلاله بناء مشاهد ساخرة في إطار موضوع محدد وواضح يمكن أن تتحرك فيه الشخصيات والأحداث.

    ويشير الناقد المصري نادر عدلي إلى أن من دخلوا مجال الكتابة الكوميدية مؤخرا، غير منشغلين بقضية أو هدف محدد، وابتعدوا عن تقديم كل ما هو جاد، وازداد الأمر سوءا عندما تأثرت الدراما التلفزيونية بعدوى نكات أبطال “مسرح مصر” الذين حاولوا تقديم استظراف مفتعل غير مقبول.

    بات منتجو الأعمال الكوميدية والقنوات الفضائية يتعاملون مع مسلسلاتهم على أنها تعويض عن غياب البرامج التي تحمل هذه الفكرة، ما يعني تعاملهم مع هذه المسلسلات على أنها مجرد فواصل ترفيهية بين الأعمال الدرامية العادية.

    وتتطلب الأعمال الكوميدية بناء دراميا محكما، بجانب خفة ظل وسخرية لشعب اتسم في تكوينه بذلك، وحينما أقدم الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة على تقديم مسلسل “زيزينيا” بجزأيه الأول والثاني، اعتبره البعض نوعا من الكوميديا الشعبية، لكنه احتفظ بقضيته الأصلية في تعامل الشعب المصري مع السلطة إبان فترة الاحتلال الإنكليزي، من خلال شخصية جاذبة تحمل قدرا كبيرا من الطرافة وقدّمها الفنان يحيى الفخراني في دور “بشر”.

    ويقول عدلي لـ”العرب” إن أزمة انعدام وجود فنانين كوميديين مسيطرة على تاريخ مصر المعاصر، وحتى الآن يبدو المشهد منحصرا في أسماء قديمة، مثل: نجيب الريحاني وفؤاد المهندس ثم عادل إمام، ومع محاولات ظهور أسماء جديدة مثل محمد هنيدي الذي اعتمد على ملامحه الشكلية ومحمد سعد بأدائه الفجّ ثم أحمد حلمي الذي بدأت معه “موضة كوميديا الموقف”، إلاّ أن الأسماء القديمة هي التي بقيت عالقة في أذهان الجماهير. وهو ما يعني أن الفنانين الذين ينالون رضاء الجمهور حاليا قلة، لأن من يحمل صفة الممثل الكوميدي يشترط أن تكون لديه خفة ظل وموهبة تلقائية في هذه المنطقة، ويتمتع بعقلية مثقفة وواعية، وانعدام وجود علاقات ثنائية استثنائية بين الكاتب والكوميدي، كما كان في الماضي، أثر بشكل كبير على المشهد، فقد حقّقت الشراكة الثنائية نجاحات عدة.

    ويتذكر البعض الفنان الراحل نجيب الريحاني الذي كان يلحق اسمه بالسيناريست بديع خيري، وكذلك الفنان الراحل فؤاد المهندس الذي كوّن شراكة ناجحة مع مؤلفين مثل بهجت قمر.

    وسوف تزداد أزمة الدراما الكوميدية في ظل عدم وجود أشخاص يؤمنون بأهمية هذا النوع شديد الخصوصية، فكرا ومضمونا، لتصبح أغلب الأعمال المقدّمة سلسلة متشابهة مع بعضها البعض في قالب من النكات المصطنعة والرجوع إلى السخرية من خلال النوستالجيا (الحنين إلى الماضي)، كأن الواقع الحالي يخلو من القضايا والموضوعات التي يمكن طرحها، لتبقى المقارنة في كوميديا الدراما التلفزيونية بين الماضي والحاضر موجودة في ذهن الكثير من المشاهدين.

    avatar
    Total comments: 0