موضوع الأنفاق له حيثيات سياسية وأمنية
    موضوع الأنفاق له حيثيات سياسية وأمنية

    خطورة المسكوت عنه في شهادة مبارك


    بعد عام ونصف العام من إطلاق سراحه، ظهر الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في قاعة المحكمة شاهدا (26 ديسمبر 2018).

    نُقلت الجلسة عبر التلفزيون، لكي يراها المصريون، وكانت المحكمة تنظر في القضية الموسومة “اقتحام السجون وتسلل عناصر مسلحة من حماس وحزب الله إلى الأراضي المصرية عبر الأنفاق”!

    أثناء استجوابه كشاهد، بدا مبارك غائبا عن التفصيلات، وليس لديه ما يقوله أو يضيفه إلى ما أدلى به بعض القادة الأمنيين في تلك الفترة من شهادات. فقد ردد ما سمعه، عن التسلل، منسوبا إلى الراحل عمر سليمان، قائد جهاز المخابرات الأسبق، ولجأ إلى صيغة مختصرة لمعلومة أشد اختصارا عن العدد وأنواع التسليح والسيارات، وتحت إلحاح القاضي استذكر بعض الفرضيات العامة المتعلقة بالموضوع.

    كان الجالسون في القفص يبتسمون. واضح أن سبب الابتسامات هو ما بدا على مبارك من ضعف التركيز، وربما يكون من بينهم من ركز أكثر ليدرك أن ما لم يقله مبارك وظل يطلب الإذن للتحدث به، خطير وصادم.

    صمت الرجل عن الكلام في صلب الموضوع، معناه أن هناك حقائق صادمة ستعرفها المحكمة والجمهور للمرة الأولى لأن “محدش اتكلم فيها قبل كده”. لذا فإن سخرية الذين كانوا في القفص، بدت ساذجة لكل من تحسس الخطورة في ما يقول الشاهد. فهذا الأخير، لا يعلم التفصيلات لكي يركز عليها، وهو غير ملوم على ذلك، وملوم أيضا من لا يفهم أن ما يقصده مبارك مهم جدا وخطير، وربما هو الذي جعله لا يركز على التفصيلات التي تركز عليها المحكمة.

    الموضوع في لغة القاضي، لا يختلف كثيرا في أسلوب الأسئلة، عن أيّ قضية أخرى، يُطلب من الشهود فيها الإفادة بما رأوا أو سمعوا، كما في قضية سطو مسلح على محل، لا تتعدى حدود أصحابها وضحاياها.

    موضوع الأنفاق نفسه، هو الذي كان في ذهن مبارك. وفي تمنّعه عن الكلام، وإلحاحه في طلب الإذن بالكلام، أكد على أن هناك حيثيات سياسية وأمنية، في موضوع الأنفاق التي بلغ تعدادها نحو ألف ومئتي نفق بين الجانب الفلسطيني والجانب المصري، زاد معظمها عن مسافة كيلو متر. وكلما ألح القاضي، على أن أسئلته تتعلق بحركة المتسللين ومن تولوا مساعدتهم، كان مبارك يعود ويركز على الأنفاق نفسها، باعتبارها موضوعا قديما سبق أحداث 25 يناير 2011 وأن للموضوع خلفية وأمور “مقدرش اتكلم فيها دون إذن”، حسب تعبيره المتكرر!

    فماذا يمكن أن نستنتج من هذا التمنع، غير أن ترتيبات مشتركة، تم التوصل إليها، لتسهيل حفر الأنفاق سريعا وبعدد ضخم، والهدف هو إيقاع حماس في الفخ وفي الغواية، من خلال المساعدة على تسليحها والتحكم في نوعية التسليح في مرحلة الاحتراب الداخلي الفلسطيني، الذي بدأ مع وصول عملية التسوية إلى طريق مسدودة.

    ولا يتردد المدقق والمحلل لحظة واحدة، في الجزم بأن إسرائيل والولايات المتحدة كانتا معنيتين بإسقاط السلطة الفلسطينية في غزة. وليس بالضرورة أن تكون حماس على علم، أو حتى قادرة على أن تعلم، لأن غواية السيطرة أسبق عند قادتها من حركة التفكير السياسي. فالسياسة بالنسبة لجماعة “الإخوان” ترف لا تميل إليه.

    لماذا سهلت تل أبيب استحواذ حماس على نوعية من السلاح لكي يكون ما في يدها منه في غزة، أرجح في ميزان القوة، من بنادق الشرطة الفلسطينية ورصاصات المخازن المعدودة في حوزة عناصرها؟ كان يُراد أن تبدأ على الأرض في غزة، سيرورة جديدة، تطيح بعنصر التواجد المادي لطرف يتمسك بالتسوية وبمرجعياتها التي لا يريدها المنقلبون عليها في تل أبيب. فهذه الأخيرة، تعتبر الخطاب الفلسطيني الأيديولوجي ذا الوعود القصوى هو الذي يناسبها، لأنه أكثر جدارة، في شطب مرجعيات التسوية، لكي تخرج إسرائيل بلا ضرر سياسي، غير ملومة وأن يكون المتطرفون الأصوليون فيها غير ملومين!

    إن الحركة القوسية لانتقال بنادق م16 الأميركية وذخائرها كانت تبدأ في نقطة من النقب، إلى سيناء، ومن ثم إلى غزة، تحت لافتة أن الشراء تم من سوق سوداء قائمة في العالم الإسرائيلي السُفلي، وكأن إسرائيل التي روحها الأمن، تترك في هوامشها سوقا سوداء. فمن يعرف إسرائيل يدرك أنها تنشئ سوقا سوداء للسلاح، لغايات إجرامية لا تريد أن تُنسب إليها.

    إن بعض الذين سخروا من حذر الرجل وتمنعه عن الحديث وطلب الإذن للتحدث أمام المحكمة، في شأن يمس الأمن القومي سيعلمون أن ما لديه خطير جدا، وأن حكاية التسلح عبر الأنفاق فيها الكثير من الأسرار الصادمة، وبالطبع ليست كل الأسرار صادمة وإسرائيل فاعلة فيها. الكلام هنا واضح، ولسنا بصدد التشكيك في أحد، وإن كنا لا نتردد في أن عملية الانقضاض على السلطة في غزة في منتصف العام 2007 أتيحت لحماس بالسلاح النوعي، الذي استخدم تحت سماء آمنة، غاب فيها التدخل الجوي الإسرائيلي جوا وبرا وبحرا!

    لنتأمل عبارات مبارك العفوية كلما سئل عن أمر تفصيلي عن تسرب عناصر حماس من الأنفاق، يقول “مش عايز اتكلم ع الأنفاق، دي ليها ما قبلها وما بعدها حاجات كتيرة ما اقدرش اتكلم فيها لأنها تخص الأمن القومي”. يرد القاضي “أنا بأسأل عن اللي دخلوا”. فيعود مبارك إلى القول “أيوه بس مهو الحاجات مرتبطة ببعضيها.. ما اقدرش اتكلم فيها”، وهكذا.

    واضح أن واشنطن ضغطت لتكريس وضع معين بخصوص الأنفاق، وأن من بين جماعة “الإخوان” من استمرأوا الغواية، بينما هدف الآخرين الأول، هو كسر معادلة السياسة الفلسطينية، وخلط الأوراق، وإشاعة التخوين وتعويم ثقافة الخصومة والشيطنة بين الفلسطينيين، والتأسيس لمعادلات الزلازل وأوهام الصلاة في القدس، التي يؤمها منتصرون، في الشهر المقبل. كانت الفرضيات في المرحلة الأولى، أن تغلب حماس، ثم في المرحلة الثانية، النزال معها لكيّ الوعي الاجتماعي الفلسطيني بالنار، ثم بدء تكريس البؤس في المرحلة الثالثة، وتلبيس الفلسطينيين الكارثة في الختام. فليس على الجبابرة شيء مستبعد!

    avatar
    Total comments: 0